غــــويا .. مجموعة النزوات .. ذروة التعبير الصارم والعنيف

كتبهاالفنان حسين مصدق ، في 30 مايو 2007 الساعة: 16:30 م

غــــويا .. شيء مقابل شيء
 
مجموعة النزوات .. ذروة التعبير الصارم والعنيف
 
حسين مصدَق
 
 

 
غويا ، عبقري متععد الوجوه ،عاش مسيرة فنية متقلبة ، فمن رسام أعمال فنيَة للبلاط والملك الى رسام لوحات هاجسها التمرد والكوابيس والشجون والثورة ، أثرت أعماله لاحقا في مسيرة مجموعة من الفنانين الطليعيين الأروبيين ، من (مانية) الى (بيكاسو) وكانت لوحاته حالات إلهام مؤثرة عند العديد من الشعراء والموسقيين حيث تجسدث أعماله في عدد كبير من القصائد والمقطوعات الموسيقية الباهرة والمتميزة .. وبتعدد أنماطه الفنية ومواضيعه ، نخال أنفسنا أمام لوحات عدة فنانين ورسامين ، خصوصا أننا نجهل الظروف التي أحاطت برسم الكثير من أعماله ..
 
أعمال (غويا) مدهشة في مجملها ، لكثرة ما تنطق به العناصر التي يجسدها في لوحاته ، وما له من مقدرة غريبة على إستفزاز المشاهد في أغلب الموضوعات التي تناولها ، فمن أعمالة الأولى التي سجل فيها مختلف مظاهر الحياة الاسباية ، بإسلوبه الزخرفي الى آخر مجموعاته والمتمثلة في الرسوم المثيرة المسمات مجموعة النزوات التي جاءت تأثرا بمرضه في السنوات الأخيرة من حياته .. حيث إنقلبت نظرته للفن وموضوعاته ، من حماسة شديدة للحياة الى مرارة قاتة إزاء قسوة الحياة والضيق منها والذي ظهر في مجموعة النزوات المثيرة للأسى والشجن و التي نتناولها في هذا المقال .
غريبة حياة هذا الفنان ، وإلا كيف نفسر إنتقاله من رسم المشاهد اللطيفة والناعمة للحياة الشعبية الاسبانية الى رسم العنف عنف النزوات المرعب . فهاهي ريشته تتمرد على إشراق اللون ، وتنقلب فجأة الى العنف والثورة ، ففي إحدى رحلاته الى إسبانيا أصيب بمرض ( أختلف عن نوعه) غير نظرته للأشياء ، وحدث صدعا في أعماق نفسه وطريقة عطائه الفني وشهد فنه تحولا حاسما وظهرت طريقة جديدة في رسوماته تميزت بالضبابية والعنف ولكنها كثيرة التعبير وتجلت في تلك اللوحات الصغيرة الحجم المسماة ( نزوات ) والتي هاجم فيها كل ما أرتبط بالخرافة والسحر والشعوذة والتقاليد البالية في مجتمعه ، وعبرت عن ثورته وسخطه على فضائح البلاط الملكي والفساد الذي شهده .. حيث كتب حينها : " إن نــــوم العقل يوقظ الوحوش "
مجموعة النزوات جاءت خارجة وبعيدة عن تقاليد الاتقان الاسلوبية التي عرفها الفن حينذاك ، فـ ( غويا ) كان يرسم بطريقة فجائية وتقريبية ، سريعة ، مستعملا التضاد اللوني حينا والتضاد في توزيع النور في حزم وهالات حينا آخر . وكـوَن بمجموعته تلك عالما ينطق بالرعب وينطوي على حالات ملتهبة مزروعة بالآفات والعذابات الانسانية مصورا إضطرابات إسبانيا الدامية ورعب سكانها الملاحقين من الوحدات النابليونية ( نسبة لنابليون) وكوارث الحرائق والنهب والاغتصاب والقتل والسرقة وقطاع الطرق والمجانين وموبوئي الطاعون …  إن مشاهدة أعمال غويا في تلك الفترة يثير الكثير من الاحباط والاشمئزاز لكثرة ما فيها من مآسي ورعب وما تنطق به من عذابات الانسان ، وكأنها من فعل جلاد طاغية ، تثير الدوار والغثيان .
كان (غويا) بمجموعته تلك أكثر فناني عصره صحوة وحرية في إختياراته حيث تمرد عن السائد وناقض جماليات اللوحة حينذاك وإنطلق بعيدا في معانقة قضايا الانسان والتعبير عن مجتمعه بكل تناقضاته ،عن الجانب القاسي للقانون الكنسي السائد في بلاده وعن عذابات الشعب الاسباني في المحاكم والسجون فرسم صورا درامية تلمس حياة الناس وطبائعهم في مجتمع سمته التفسخ والاستبداد، فمثلت أعماله تلك أكثر اللوحات غرابة وإثارة في تاريخ الفن وكانت طوال تاريخه مثار تساؤل ونقد وإعادة قراءة من طرف النقاد ومتابعي حركة تاريخ الفن التشكيلي في العالم ..
مجموعة النزوات من الناحية التقنية هي أعمال بالأسود والابيض منفذة بطريقة الطباعة ، حيث حفر أغلبها على المعدن قبـــل طباعتها ، وأثناء الحفر كان (غويا) يطور عمله ، عكس الطريقة التقليدية للحفر حيث يرسم الفنان العمل ثم يقوم بحفره على المعدن او الحجر ، فكان يضيف ويعدل مباشرة على المادة محاولا الوصول الى قيم جديدة ومختلفة تتناسب مع المادة التي ينفذ عليها الرسم . ومجموعة النزوات في الحقيقة هي عدة مجموعات فنية منجزة في فترات مختلفة يمكن تقسيمها كالآتي:
مجموعة النزوات الأولى : محفوظة حاليا في متحف ( البرادو ) في إسبانيا ، وأنجزها (غويا) مابين الفترة (1797 /1798 ) ، تقع أحجام هذه الرسوم ما بين 10.3- 22.1 / 13.5 – 16.5 ) صم ونفذت بالسانقوين والحبر الصيني وأنواع أخرى من الحبر الملون السائل .
مجموعة أهوال الحروب : أنجزها (غويا)  مابين الفترة (1810 /1820 ) ، تقع أحجام هذه الرسوم ما بين ( 13- 15.1 / 18– 25 ) صم ونفذت بالسانقوين .
مجموعة النزوات الثانية : أنجزها (غويا)  مابين الفترة (1814 /1824 ) ، تقع أحجام هذه الرسوم ما بين ( 20.4- 20.8/ 13 – 14.5 ) صم ونفذت بالحبر الصيني السائل .
مجموعة المفارقات أو (شيء مقابل شيء ) :  أنجزت مابين السنوات ( 1815 / 1824) ونفذت بالحبر السائل الأحمر .
مجموعة صراع الثيران : نفذت بالسانقوين مابين 1815/1816 وتعد أقل مهارة من مجموعتي النزوات ومجموعة المفارقات لكنها تتميز عنها بطريقة تنفيذها والمستوى البحثي الذي إمتلكته ، فهي منجزة بطريقة الحفر على الحجر وخصوصا تلك التي نفذها في أواخر حياته .ولـ (غويا ) عدة لوحات تندرج تحت تسمية النزوات وهي ذات مواضيع مختلفة منفذة بالتقنية اللتيوغرافية .
النزوات أعمال فنية تتميز بالصدق والواقعية ، رسم فيها ( غويا ) أفكاره دون تقييد أو تحديد أو خوف فكان من بين الفنانين السابقين لمدرسة الواقعية . وكان أملا لشعبه وخصوصا أن المثقفين الاسبان رأوا فيه الرجل القادر على إحياء التراث الاسباني حيث مثلت لوحاته بمختلف تنويعاتها بما فيها مجموعة النزوات أحداث عصره وتأريخا لمرحلة مهمة في حضارة بلده ومثلت رسومه جرأة كبيرة في تناول هواجس الحرية والدفاع عنها على مستوى الموضوع وجرأة على المستوى التقني تمثل في مقدرته الرهيبة في البناء الشكلي للوحة ، حيث تعود ثقافته الفنية الى منابع عميقة ومتعددة ( ميكل أنجو) و( تيسيانو) وكان يقول : " تتلمذت على ثلاث ( الطبيعة ) (فيلاسكيث) و( رامبرانت) " وكان يعتبر( رامبرانت) أستاذه ومعلمه لما يراه فيه من عبقرية وقدرات فنية عالية .
 
غـــويا : ( فرنسيسكو دي غويا ) ولد في 1746 وعاش 82 عاما ظهرت موهبته مبكرا توفي في مدينة ( بوردو) عام 1828 ودفن فيها ، وفي عام 1900 نقلت رفاته الى مدريد باسبانيا في إحتفال لائق بمسيرته وفعله الابداعي ..
 
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فن تشكيلي عالمي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



المقالات الواردة في هذه المدونة لا تعبر بالضرورة على راي الفنان التشكيلي حسين مصدق ، بل فقط على راي كاتبوها