نجيب بلخوجة الاتر و المعني بقلم عمر الغدامسي

كتبهاالفنان حسين مصدق ، في 24 مايو 2007 الساعة: 21:32 م

الخميس,أيار 17, 2007

 
مدينة الحرف والمتاهة
يقول نجيب بلخوجة : «بعد بداياتي الاولى المتأثرة بموندريان ودولوني وكاندنسكي انتبهت الى ضرورة البحث عن افقي الخاص وبما انني لست الا ابنا لمدينة تونس فقد انطلقت في رسمها». ويضيف : «ان الفنان لا يعمل ابدا باستقلالية عن محيطه فهو يتبنى واقعه الذي يحف به الواقع المحسوس الذي يعيش ضمنه ويعمل من خلاله وهو ما يتجلى في تجربتي مدينة تونس».
لم يدخل بلخوجة مدينة تونس بذهنية الرسام او السائح الباحث عن الفلكلوري والغرائبي بل دخلها بذهنية المنتمي الى جذورها والمتسلح برؤية العصر واكتشافاته في المجال التشكيلي. لقد كان السؤال الذي يلح عليه وقتها هو كيفية قولبة المشاهدات التونسية في حيزها المعماري المديني ضمن رؤية عصرية وخارج التقوقع في الزخرف التقليدي.
لقد نجح بلخوجة في نحت اسلوبه التشكيلي الخاص من خلال تلك العلاقة التي اوجدها بين الظاهرة البصرية المرتسمة في الواقع من جهة وبين تجريد هذه الظاهرة. فكان ان اعتمد في رسمه للمدينة في سياقها المعماري على الاشكال الهندسية البسيطة وهي الخط الافقي الخط العمودي ونصف الدائرة والمعين والمثلث ومتوازي الاضلاع لقد كانت هذه الاشكال الهندسية في تجربته بمثابة حروف السلم الموسيقي التي يصنع منها الموسيقار اعذب السمفونيات. فمن خلال تلك الاشكال الهندسية البسيطة يركب بلخوجة عالما متجددا من لوحة الى اخرى عالما عقليا اكثر منه حسيا او عاطفيا لا يخاطب الذوق (الا بدرجة محدودة ) وانما يخاطب العين الذهنية.
ان الاقتصاد في التفاصيل وما يقابله من تبسيط واختزال لم يمنع ان يكون لكل لوحة لنجيب بلخوجة سحرها الخاص سواء باستعمال اشكال بسيطة دون اخرى وتكرار بعضها على امتداد اللوحة بالتركيز مثلا على التداخل البنياني القائم الزوايا وتغييب نصف الدائرة الذي يشير الى القبة في العمارة او من خلال طرائق استغلال اللون الذي يلعب في اعمال نجيب بلخوجة دورا اساسيا سواء كعنصر توازن من خلال توزيع كمياته ومقاديره او عنصر تيمي ايحائي كما هو الحال مثلا في لوحة : «السماء كانت حمراء» التي رسمها سنة 1991 وتصدرت غلاف رواية «هلوسات ترشيش» لحسونة المصباحي وقد اعتمد الرسام في تلوين اشكالها الهندسية المعمارية على مقادير متفاوتة للون الازرق والبني والاخضر بينما ترك الفراغات بيضاء تحيط بجوانب من اللوحة وارضيتها و يخترقها شكلا هندسيا يعرف بشبه المنحرف وكأنه بلونه الازرق ظل للقوس القائم دون اكتمال وسط اللوحة وفي الزاوية الافقية من اللوحة حيث الافق مفتوح رسم الفنان زاروية حمراء.
بنفس تلك الاشكال الهندسية البسيطة والتي قدم من خلالها نجيب بلخوجة عديد اللوحات الزيتية المتنوعة انجز اعمالا بتقنية الرسم المطبوع المفرد او المونوتيب الذي يعتبر في عالم الفن من النوع الثانوي لضيق تقنياته ومحدوديته التعبيرية لكن بلخوجة نجح بهذه التقنية في تقديم عديد الاعمال المتميزة بتكويناتها والوانها في احدى قصائده يقول بودلير :
«المدينة هيكل فيه اعمدة حية
تخرج منها احيانا كلمات مبهمة
يمر الانسان فيها من خلال غابات من الرموز
تراقبه بألحاظ أليفة»
هل قرأ بلخوجة هذه القصيدة فبحث عن مكان للكلمات المبهمة في اعمدة لوحاته. ام ان الاعمدة المبهمة والاقواس والقباب والزوايا هي التي كشفت عن كلماتها في لوحاته ؟
فالكلمات وبحروفها الكوفية تختبىء في ثنايا الاشكال الهندسية التي يرسمها وما على العين الا ان تجوب كدرويش الازقة والساحات والزوايا بحثا عن تلك الكلمة الضائعة والمقدسة.
ان حضور الخط الكوفي في اعمال نجيب بلخوجة يعكس ذلك الالتباس بين المعمار الهندسي في حضارتنا والكتابة الكوفية بخطوطها الهندسية الافقية والعمودية وقد نجح الرسام في استغلال هذا الالتباس لتحقيق شكل ثالث يجمع بينهما عبر الدلالات الرمزية. ويفسر بلخوجة هذه العلاقة الملتبسة بين الحرف والمعمار الهندسي بالقول : ان المعماري في شكل الاحرف الكتابية مرتبط ارتباطا بالجمالية عموما ثم بجمالية الهندسة العمارية في جميع الحضارات.
الى جانب بعدي العمارة والحرف يحضر في اعماله بعد آخر ذا دلالة ذهنية يتمثل في المتاهة. فبالعودة الى لوحاته تتكشف لنا البنايات المتداخلة والمتشابكة والمتشابهة باشكالها الهندسية كمتاهة لا فكاك منها.
متاهة تذكرنا بمكتبة الروائي الايطالي امبرتو ايكو في روايته «اسم الوردة» او بذلك الوصف الرائع الذي يقدمه خوان غويتسولو في روايته «مقبرة» للشوارع والازقة المفضية لساحة جامع الفناء في مدينة مراكش اذ يقول : «مباغتة ساحة جامع الفناء من جنباتها بلا استعداد سابق امر صعب فهي تظل كأخطبوط كعنكبوت كحريش ينسل ويتملص يتخبط وينزلق ويستحيل على القبض ابدا ان جميع الادلة السياحية لتكذب ولا سبيل للإمساك بالساحة قط ».
هل ان المدينة العربية رديف للمتاهة لفكرة، التيه والضياع الحضاري والفكري؟
يقول بلخوجة « ان المدينة متاهة اجتماعية وفكرية وهناك نوعان من المتاهة في التفكير الانساني نوع يفتقد لخيط «اريان» ونوع آخر يتوفر تفكيره على خيط اريان ان متاهاتي من النوع الاخير فلوحاتي لا تحتمل الاستسهال والتلقي المسترخي انها معقدة وتفرض عليك قراءاتها. تمنحك فرصة التيه ثم العودة من خلال خيط اريان الذي هو هنا قراءة اللوحة نفسها».

عمر الغدامسي

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فن تشكيلي عالمي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



المقالات الواردة في هذه المدونة لا تعبر بالضرورة على راي الفنان التشكيلي حسين مصدق ، بل فقط على راي كاتبوها